
*تقاس الدول بالرجال.. ولا تقاس الرجال بالدول*
*بقلم: الحسن ودادي صيكه*
هذه حكمة خالدة تختزل فلسفة بناء الأوطان. فـ “باستطاعة الرجل أن يبني مدينة.. ولكن مدينة لا تبني رجلاً”. بهذه العبارة يمكن أن نلخص معضلة التنمية في بلادنا.
إن المدن تُبنى بالحجارة والإسمنت والخرائط الهندسية، أما الرجال فيُبنون بالتجارب والمحن والمواقف، بالصدق في القول والثبات عند الشدائد. والوطن الذي يملك رجالاً هو وطن يملك رصيداً لا ينضب، أما الوطن الذي لا يملك إلا المباني فهو وطن خاوٍ على عروشه.
وعلى القائمين على تسيير شؤون الدولة أن يضعوا نصب أعينهم هذه الحقيقة: مصلحة الوطن والمواطن معاً، لا مصلحة الأشخاص والولاءات الضيقة.
*رجل لا يُفرّط فيه*
حين يكون لدينا رجال شهد لهم العدو قبل الصديق بالخبرة وحسن التسيير وصدق اللهجة، رجال استعد أحدهم للتضحية بكل ما يملك، ولو كانت وظيفته التي يعيش عليها، مقابل مصلحة وطنه ومواطنيه، فلا يجب على قمة هرم السلطة أن تفرّط فيهم مهما كانت الخلافات السياسية أو التباين في وجهات النظر.
فالدول الحكيمة لا تضيق ذرعاً بأبنائها الأقوياء، بل تتسع لهم وتحتويهم، لأنهم ذخرها عند الملمات.
أحرى إذا كان بعض هذه الشخصيات الاعتبارية والمخلصة جزءاً لا يتجزأ من صميم النظام نفسه، لم يخرج عنه يوماً، لأنه يرى فيه مصلحة البلاد والعباد، ويؤمن بمشروعه، وقادر على أن يدفع عجلة التنمية إلى الأمام في أي ركن من أركان هذا البلد، لأنه الخبير بدهاليز الدولة، العارف بمسالك السياسة، المشارك الفعلي في بنائها لبنة لبنة.
إن إقصاء مثل هؤلاء هو خسارة للوطن قبل أن يكون خسارة للأشخاص.
*السيد.. الرجل المرحلة*
ولا شك أن من أبرز هؤلاء الرجال، الرجل الشهم، المثقف، والسياسي المخضرم، السيد الوزير السابق سيدي محمد ولد محم.
هو ليس مجرد وزير سابق مرّ من هنا، إنه رجل دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. جمع بين حكمة الشيخ وفصاحة الخطيب ودهاء السياسي وصلابة المبدئي.
عرفناه مدافعاً شرساً عن الدولة في أحلك الظروف، لا يدافع عن الأشخاص بل عن الكيان. إذا تكلم أسكت الضجيج، وإذا كتب أوجز فأبلغ، وإذا ناقش أفحم بحجته ورجاحة عقله.
هو مدرسة في الثبات، لا تلونه المصالح ولا تغيره المناصب. يقف كالصخرة إذا رأى تعارضاً بين مصلحة الفرد ومصلحة الدولة، ولو كلفه ذلك منصبه، وهي خصلة قلّ من يملكها في زمن المساومات.
اليوم، وموريتانيا أحوج ما تكون إلى رجال الحوار والعقل، إلى رجال يجمعون ولا يفرقون، يبنون ولا يهدمون، يبقى سيدي محمد ولد محم هو رجل المرحلة بامتياز.
صقر في سماء السياسة، فكراً ورجاحة عقل تحتاجها المرحلة، وصوت حكمة نحتاج أن ننصت إليه اليوم قبل الغد.
