آخر كلام

بقلم/ الكاتب الصحفي: كدالي الكبيرانجبنان
نواكشوط- فندق فاصك الدولي: لم يكن مساء اليوم السبت في فندق فاصك الدولي مساءً عادياً. كان مساءً تصالحت فيه الثقافة مع البيئة، والتاريخ مع الجغرافيا.
تحت إشراف المنسقية الدائمة للعمل الثقافي في موريتانيا، وبرعاية رسمية من البنك الوطني الموريتاني – بنكيلي، انطلقت شرارة *مبادرة دمان البيئية*، كصرخة مدوية في وجه التجريف، ودفاع مستميت عن رئة آدرار التي تختنق.
على نغمات آيات من الذكر الحكيم تلاها قارئ خاشع، وقف الجميع بخشوع للنشيد الوطني، ليبدأ بعدها فصل الحكاية.
المنسقية الدائمة للعمل الثقافي، في كلمتها الترحيبية، وضعت النقاط على الحروف: “الدفاع عن البيئة ليس ترفاً بيئياً، هو دفاع عن الثقافة والهوية والوجود”. وقالت إن دمان ليست مجرد نقطة على الخريطة، إنها الذاكرة، إنها حكاية الأجداد، والمخزون البيئي والرعوي الذي إن ضاع، ضاع معه كل شيء. واحتضان المنسقية لهذه المبادرة هو وفاء لدورها في ربط الثقافة بهموم الناس.
ثم اعتلى المنصة رئيس مبادرة دمان البيئية، وكلماته تقطر ألماً. قال إنه لم يعد يحتمل الصمت.
تحدث عن جراح دمان المفتوحة: مقالع تنهش الجبال نهاراً جهاراً، متفجرات تهز الأرض وتقتل السكينة، آليات ثقيلة تردم الأودية التي كانت شرايين الحياة، غطاء نباتي أُبيد، حياة برية هُجرت، ومياه جوفية تلوثت.
“نحن لسنا ضد الاستثمار، ولسنا ضد التعدين. نحن مع القانون، مع التعدين المنظم الذي يحترم الإنسان. نحن ضد الفوضى، ضد نهب الثروة فوق جثث النخيل وعطش المواشي”، هكذا قالها بوضوح، مطالباً بتطبيق صارم لمدونة البيئة واحترام دفتر الالتزامات.
وفي لحظة ترقب، تناول الكلام *المدير العام للبنك الوطني الموريتاني – كليك*.
استهل كلمته بتوجيه شكر خاص وصادق للقائمين على هذه المبادرة النبيلة، وخص بالذكر *المنسقية الدائمة للعمل الثقافي في موريتانيا* على دورها الريادي في تأطير العمل الثقافي الجاد وربطه بقضايا التنمية.
ثم عرج في حديثه على نبذة عن تاريخ البنك الوطني الموريتاني، كأحد أعرق المؤسسات المصرفية الوطنية، التي واكبت بناء الدولة وساهمت في تمويل التنمية، مؤكداً أنه بنك كل الموريتانيين.
وأكد المدير العام الاستعداد الكامل للبنك لتقديم كافة خدماته المصرفية العصرية، عبر تطبيق بنكيلي وشبكة فروعه، مع اهتمام خاص ومميز *بجالياتنا في الخارج*، من خلال تسهيل التحويلات وفتح الحسابات عن بعد ومواكبتهم في مشاريعهم الاستثمارية داخل الوطن، لأنهم رافعة أساسية للاقتصاد.
وختم كلمته بالقول: “دعمنا لمبادرة دمان ليس رعاية لحدث، بل هو استثمار في موريتانيا الخضراء، ووقوف إلى جانب كل مبادرة مواطنة تخدم التنمية المستدامة”.
القائمون على المبادرة لخصوا معركتهم القادمة في خمس نقاط واضحة:
1. *التوثيق:* تصوير وتوثيق حجم الكارثة البيئية في دمان بالصوت والصورة والدراسات الميدانية.
2. *التحسيس:* إطلاق حملة تعبئة وتحسيس واسعة حول مخاطر التعدين العشوائي.
3. *التفتيش:* الضغط من أجل إيفاد بعثة تفتيش بيئي مستقلة ومحايدة.
4. *الوقف:* المطالبة بوقف فوري لجميع أنشطة الشركات المنقبة.
حفل الانطلاق لم يكن حدثاً عابراً، فقد شهد حضوراً وازناً من وجهاء وأطر ومنتخبي مقاطعة أطار، ونشطاء بيئيين، وقادة رأي، وممثلي المجتمع المدني، في رسالة واضحة أن قضية دمان هي قضية الجميع.
واختتم الحفل بنداء مؤثر، سمي *”نداء دمان”*، رفعه المشاركون إلى فخامة رئيس الجمهورية وإلى وزارة البيئة والتنمية المستدامة: *أنقذوا دمان قبل فوات الأوان.*
دمان اليوم تستغيث.. فهل من مجيب؟
