امكطار الرفكه
بقلم: الحسن صيكه
◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇◇
موريتانيا والمطر الضائع: كيف نحول التهديد الموسمي إلى ثروة استراتيجية؟
في كل خريف، تتكرر نفس المفارقة المؤلمة في موريتانيا: أمطار غزيرة وسيول جارفة تغرق الأحياء وتقطع الطرق، وبعد أسابيع قليلة نعود إلى نفس الدائرة المغلقة من العطش والجفاف وندرة المياه.
الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون هي أن مشكلتنا ليست في قلة المطر، بل في سوء إدارة المطر.
الغريب أن الحل لا يحتاج إلى تكنولوجيا معقدة ولا إلى مليارات الدولارات ولا إلى مشاريع عملاقة مستوردة. التجارب الناجحة في دول الساحل وشبه الجزيرة العربية أثبتت أن الفارق يمكن أن يصنع بوسائل هندسية بسيطة، بدائية، ومنخفضة التكلفة، ومتاحة لكل قرية وكل بلدية.
*أولاً: الحصاد الصغير بدل السدود الكبرى*
إن بناء آلاف السدود الترابية والحجرية الصغيرة في مسارات السيول، بدل التركيز فقط على سد كبير واحد، أثبت فعاليته. هذه السدود تبطئ جريان الماء، وتمنعه من الضياع نحو المحيط أو السباخ المالحة، وتترك له الوقت ليتسرب إلى باطن الأرض.
*ثانياً: تعميق المنخفضات الطبيعية*
تمتلك موريتانيا مئات المنخفضات الطبيعية “الآبارات والكراير”. تعميقها وتنظيفها وتوسيعها يضاعف من قدرتها الاستيعابية ويقلل من مساحة التبخر، ويحولها إلى خزانات طبيعية تبقى لأشهر بعد انتهاء موسم الأمطار، صالحة لشرب المواشي والزراعة الموسمية.
*ثالثاً: شحن الحوض الجوفي*
بدل أن نترك السيول تضيع فوق الأرض، يمكن توجيهها عمداً نحو آبار شحن جوفي محفورة في مناطق نفاذية. بهذه الطريقة نحن لا نخزن الماء فوق الأرض حيث يتبخر، بل نخزنه تحت الأرض حيث يحفظ، ليرتفع منسوب الحوض الجوفي الذي هو المخزون الاستراتيجي الحقيقي للبلد.
إن تحويل مياه الأمطار من تهديد موسمي يغرق نواكشوط وروصو وكيهيدي كل عام، إلى ميزة استراتيجية، هو وحده القادر على نقل موريتانيا من دولة تعيش على حافة الجفاف إلى واحة زراعية قادرة على تحقيق أمنها الغذائي.
المطلوب اليوم ليس مستحيلاً. نحتاج فقط إلى ثلاثة أمور:
1. إرادة سياسية جادة تعتبر كل قطرة مطر تسقط على التراب الوطني ثروة وطنية يجب عدم التفريط فيها.
2. تخطيط هندسي لا مركزي يشرك المجتمعات المحلية، لأن أهل كل منطقة يعرفون مسارات السيول ومنخفضاتهم أكثر من أي خبير أجنبي.
3. التوقف عن عقلية المشروع العملاق، والبدء بعقلية “ألف حاجز صغير”.
الماء موجود، والأرض عطشى، والوسيلة بسيطة.
