هل عشت التجربة.. في مستشفى الأمومة والطفولة..؟! الصحفي/كدالي الكبير إنجبنان

تقارير

*أمكطار الرفكة الإخبارية*
*بقلم: الكاتب الصحفي كدالي الكبير انجبنان*

هل عشت التجربة.. في مستشفى الأمومة والطفولة..؟!

قدر الله وما شاء فعل.. أصيبت السيدة بنزيف حاد، انتقلنا على عجل إلى مستشفى الأمومة والطفل – لكصر – نواكشوط الشمالية.

تبدأ المعاناة قبل العلاج.

عند الباب الرئيسي، تقف لجنة تفتيش كأنك في معبر حدودي، لا لتنظيم الدخول، بل لإثبات هل المرأة مريضة فعلاً أم تتحايل من أجل الدخول! بعد جدال ومعركة كلامية، دخلنا منتصرين على أمن البوابة الرئيسية.

ولجنا إلى الداخل، وذهبت لأحضر عربة لأن السيدة لم يعد بمقدورها الحركة، جلست على حافة الرصيف بعد الباب الرئيسي وقبل بوابة الطوارئ. العربة عند الحارس، والحارس مشغول في منع الناس من الدخول، والعربة في الداخل وأنا لا يمكنني الدخول لجلبها لأنني ربما “أتحايل” أيضاً للدخول!

ظلت السيدة تكابد وتزحف وهي تنزف، حتى رآها الحارس “وما اتلات اعل شي” فأتى بالعربة مسرعاً.. دخلت زوجتي لوحدها وهي تنزف، لتبدأ مرحلة ثانية من المعاناة.

سيمفونية “أجلب وادفع”!
هنا يبدأ تجريدك مما تملك وما لا تملك. ويزيد العبء حين يعلم أنك لست موظفاً ولست مؤمناً، فتتضاعف عليك الطلبات. فصاحبة إكنام غير مرغوبة، ولا أكناس، بل أنت المنشود! إن كان عندك فذاك المطلوب، وإن لم يكن عندك، سيموت مريضك لا محالة وأنت تنظر.

فكم من شخص لا يملك ثمن فحص، أو دواء، أو ما يشتري به أدوات عملية، يبقى ينظر وينتظر بلا حول ولا قوة. نعم، هناك من يعجز حتى عن شراء ضماد أو حقنة يحتاجها مريضه!

بداية الاستنزاف:
– رسم دخول للمعاينة: *3500 قديمة*
– الفحوصات الأولية: *5500 قديمة*
– الدواء للمرحلة الأولى: مبالغ متفاوتة
بعد ذلك تبدأ المرحلة الأقوى والأسرع في الاستنزاف: فحوصات الدم، و “الراديو” لمعرفة مصدر النزيف، الذي تبين لاحقاً أنه سقوط حمل، وتتواصل الفحوصات بعد ذلك كل مرة لمعرفة هل هناك بقايا أم لا!
وأنت مغلوب على أمرك..

هنا أسأل: ماذا سيفعل من ليس في جيبه على أقل تقدير 100.000 أوقية قديمة في تلك اللحظة؟

هنا “مُجبر أخاك لا بطل” أن يشحذ ويتدين ويصرخ ويجن جنونه… والأطباء والممرضات وطاقم المستشفى يتوقف، والمعاينة تتوقف، لأنك لم تدفع رسم الدخول، أو عجزت أن تحضر قطعة شاش لا تملك ثمنها!

أين الدولة؟
والغريب أنك وأنت داخل هذا المستشفى الذي يفترض أنه للفقراء، ترى البعوض ينهش المرضى في غرف الحجز، و الأوساخ تملأ الممرات، و آثار الدم المسكوب على البلاط لم تنظف منذ أيام، وقطط تتجول بين الأسرة!

لا تعقيم، لا نظافة، لا رحمة.

والدولة تمتلك المليارات.. مليارات تنهب في الصفقات، ومليارات تصرف في المهرجانات والزيارات، ومليارات تسرق باسم المشاريع الوهمية.. بينما كان الأحرى بها أن تسهل عملية، أو معاينة، أو دواء لمواطن فقير.

مستشفى الأمومة والطفولة أصبح مسلخة للفقراء، من لا يملك يموت، ومن يملك يستنزف حتى آخر أوقية.

فهل هذه هي الدولة التي نريد؟ وهل هذه هي الرحمة التي أوصى بها رئيس الجمهورية؟

لقد كتبت هذه التجربة بدمي ودم زوجتي، حتى يعلم الجميع أن الصحة في موريتانيا تحتضر.